القرطبي
134
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ( 62 ) قوله تعالى : ( ولا نكلف نفسا إلا وسعها ) قد مضى في " البقرة ( 1 ) " وأنه ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ما لا يطاق . ( ولدينا كتاب ينطق بالحق ) أظهر ما قيل فيه : إنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة ، وأضافه إلى نفسه لان الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره ، فهو ينطق بالحق . وفي هذا تهديد وتأييس من الحيف والظلم . ولفظ النطق يجوز في الكتاب ، والمراد أن النبيين تنطق بما فيه . والله أعلم . وقيل : عنى اللوح المحفوظ ، وقد أثبت فيه كل شئ ، فهم لا يجاوزون ذلك . وقيل : الإشارة بقوله : " ولدينا كتاب " القرآن ، فالله أعلم ، وكل محتمل والأول أظهر . قوله تعالى : بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمل من دون ذلك هم لها عاملون ( 63 ) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون ( 64 ) لا تجئروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ( 65 ) قوله تعالى : ( بل قلوبهم في غمرة من هذا ) قال مجاهد : أي في غطاء وغفلة وعماية عن القرآن . ويقال : غمره الماء إذا غطاه . ونهر غمر يغطى من دخله . ورجل غمر يغمره آراء الناس ( 2 ) . وقيل : " غمرة " لأنها تغطي الوجه . ومنه دخل في غمار الناس وخمارهم ، أي فيما يغطيه من الجمع . وقيل : " بل قلوبهم في غمرة " أي في حيرة وعمى ، أي مما وصف من أعمال البر في الآيات المتقدمة ، قال قتادة . أو من الكتاب الذي ينطق بالحق . ( ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) قال قتادة ومجاهد : أي لهم خطايا لا بد أن يعملوها من دون الحق . وقال الحسن وابن زيد : المعنى ولهم أعمال رديئة لم يعملوها من
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 427 . ( 2 ) كذا في الأصول . والذي في كتب اللغة : " ورجل غمر وغمر لا تجربة له بحرب ولا أمر ، ولم تحنكه التجارب .